هل يحق للمحامي حضور التحقيق مع المتهم أو المجني عليه ؟
عندما يُستدعى شخص — متهماً كان أم مجنياً عليه — للإدلاء بأقواله في قضية جزائية، فإن أول ما يشغل ذهنه سؤالٌ بسيط في ظاهره دقيقٌ في حقيقته: هل يستطيع أن يصطحب محاميه معه؟ والإجابة الصحيحة لا تتضح إلا بمعرفة المرحلة الإجرائية التي يمرّ بها صاحب الشأن؛ فهل هو في مرحلة جمع الاستدلال أمام أحد مأموري الضبط القضائي (كضابط الشرطة)، أم في مرحلة التحقيق أمام عضو النيابة العامة؟ إن الخلط بين هاتين المرحلتين قد يُفقد المتهم أو المجني عليه ضمانةً جوهرية كفلها المشرّع الإماراتي، ويجعل الأقوال تُدوَّن في غير موضعها القانوني الصحيح.
هل يحق للمحامي حضور التحقيق مع المتهم أو المجني عليه في القانون الإماراتي؟
أعاد المشرّع الإماراتي تنظيم هذه المسألة في قانون الإجراءات الجزائية النافذ منذ أول مارس 2023. ويظهر التمييز بين أعمال الشرطة وتحقيق النيابة في بنية القانون نفسه؛ فقد أفرد لهما «الكتاب الثاني» المعنون بـ«استقصاء الجرائم وجمع الأدلة وتحقيقها»، وفصل بينهما في بابين مستقلين: الباب الأول بعنوان «جمع الأدلة بمعرفة مأموري الضبط القضائي»، والباب الثاني بعنوان «تحقيق النيابة العامة». فالتمييز إذاً تمييزٌ بنيوي صريح في القانون لا مجرد استنتاج، وهو يرتّب اختلافاً في طبيعة الإجراء وفي القوة الثبوتية للأقوال وفي موضع حق المحامي. وفيما يلي بيانٌ مُفصّل لكل ذلك.
أولاً: المراحل الثلاث للدعوى الجزائية في لمحة
تمرّ القضية الجزائية في الغالب بثلاث مراحل متتابعة، ولكلٍّ منها جهة مختصة وطبيعة مختلفة، وفهم هذا التسلسل هو مفتاح معرفة حق المحامي في الحضور:
1
جمع الاستدلال
يتولاها مأمورو الضبط القضائي (ومن أبرزهم ضباط الشرطة)، وهي مرحلة تمهيدية للبحث عن الجريمة ومرتكبيها وجمع المعلومات والأدلة الأولية، وتُسمع فيها «الأقوال» أو «الإفادات».
2
التحقيق الابتدائي
تباشره النيابة العامة بوصفها جزءاً من السلطة القضائية، ويُجرى فيها «استجواب» المتهم وسماع الشهود بصفة قضائية وإثبات الإجراءات في محاضر رسمية.
3
المحاكمة
تنظر فيها المحكمة الجزائية المختصة الدعوى علناً، وتُسمع المرافعات والشهود، ويصدر فيها الحكم بالإدانة أو بالبراءة.
ثانياً: من هم مأمورو الضبط القضائي؟ ومرحلة جمع الاستدلال
تنبيهٌ مهم في المصطلح: لم يستخدم القانون لفظ «الشرطة» للتعبير عن هذه المرحلة، بل استخدم مصطلح «مأموري الضبط القضائي»، وضباط الشرطة ليسوا سوى فئة واحدة — وإن كانت الأبرز من الناحية العملية — من فئاتٍ متعددة عدّدها القانون. ومأمور الضبط القضائي هو الموظف الذي خوّله القانون صفةً تتيح له تقصّي الجرائم والبحث عن مرتكبيها وجمع المعلومات والأدلة اللازمة، كلٌّ في دائرة اختصاصه.
وقد حدّد قانون الإجراءات الجزائية فئات مأموري الضبط القضائي على النحو الآتي:
- أعضاء النيابة العامة.
- ضباط الشرطة وصف ضباطها وأفرادها.
- ضباط وصف ضباط وأفراد حرس الحدود والسواحل.
- ضباط وصف ضباط وأفراد العاملين في منافذ الدولة من الموانئ البحرية والجوية والمنافذ البرية، من رجال الشرطة أو القوات المسلحة.
- ضباط وصف ضباط الدفاع المدني.
- الموظفون المخوّلون صفة مأموري الضبط القضائي بمقتضى القوانين والمراسيم والقرارات المعمول بها.
كما أجاز القانون منح هذه الصفة لبعض الموظفين بقرار من وزير العدل أو رئيس الجهة القضائية المحلية المختصة، في حدود الجرائم المتصلة بأعمال وظائفهم. ويُلاحظ أن أعضاء النيابة العامة أنفسهم من مأموري الضبط القضائي، وإن كانوا يباشرون التحقيق لاحقاً بصفتهم القضائية بوصفهم جزءاً من السلطة القضائية.
هذه المرحلة منصوص عليها صراحةً في القانون؛ إذ خصّها بالباب الأول من الكتاب الثاني تحت عنوان «جمع الأدلة بمعرفة مأموري الضبط القضائي»، ووردت مصطلحاتها فيه مثل «إجراءات الاستدلال» و«محاضر الاستدلال». ويقوم مأمورو الضبط القضائي فيها بتقصّي الجرائم والبحث عن مرتكبيها وجمع الأدلة، ولهم أن يسمعوا أقوال من لديهم معلومات عنها، وأن يسألوا المتهم، وأن يستعينوا بأهل الخبرة، وهم تابعون للنائب العام وخاضعون لإشرافه.
وما يُدوَّن في هذه المرحلة يُسمّى «الأقوال» أو «الإفادة»، وهو إجراء استدلالي تمهيدي يخضع للسرية ذاتها المقررة لإجراءات التحقيق. والأصل أنه لا يجوز لمأمور الضبط القضائي تحليف الشهود اليمين، إلا إذا خُشي ألا يُستطاع سماع الشهادة فيما بعد.
حقوق المتهم فور القبض في مرحلة الشرطة
أوجب القانون على مأمور الضبط القضائي — فور القبض على المتهم وقبل سماع أقواله — أن يُحيطه علماً بالجريمة المسندة إليه وبحقه في الامتناع عن الحديث (حق الصمت)، فإن لم يأتِ بما يبرئه وجب إرساله خلال ثمانٍ وأربعين ساعة إلى النيابة العامة المختصة، التي يجب عليها استجوابه خلال أربعٍ وعشرين ساعة، ثم تأمر بحبسه احتياطياً أو إطلاق سراحه.
ملاحظة جوهرية: لم يُورد المشرّع في الأحكام المنظِّمة لمرحلة جمع الاستدلال نصاً صريحاً يقرّر حق المحامي في حضور سماع أقوال المتهم أمام الشرطة، على خلاف ما فعله صراحةً في مرحلة التحقيق أمام النيابة. ويبقى حق الصمت هو الضمانة الأبرز المكفولة للمتهم في هذه المرحلة، إلى جانب حقه في عدم التعرّض لأي إكراه أو إيذاء، إذ يكون باطلاً كل دليل يتم الحصول عليه بطريق التعذيب أو المعاملة الحاطّة بالكرامة.
ثالثاً: مرحلة التحقيق أمام النيابة العامة
تختلف هذه المرحلة جوهرياً عما قبلها؛ فالنيابة العامة جزءٌ من السلطة القضائية، تباشر التحقيق والاتهام في الجرائم. وهي تباشر التحقيق بنفسها وجوباً في الجنايات، وفي الجنح إذا رأت ذلك. ويُجري عضو النيابة العامة إجراءات التحقيق ويثبتها في محاضر يوقّع عليها هو والكاتب، وتُحفظ في ملف الدعوى.
والمصطلح القانوني الدقيق لمساءلة المتهم في هذه المرحلة هو «الاستجواب»؛ فعند حضور المتهم لأول مرة في التحقيق يُدوّن عضو النيابة جميع البيانات الخاصة بإثبات شخصيته، ويحيطه علماً بالتهمة المنسوبة إليه، ويثبت في المحضر ما يبديه من أقوال. كما تظل إجراءات التحقيق ونتائجها من الأسرار التي يُعاقَب من يُفشيها بالعقوبة المقررة لجريمة إفشاء الأسرار.
تنبيه: التحقيق إطارٌ، والاستجواب إجراءٌ داخله
كثيراً ما يُخلط بين المصطلحين، والصواب أن «التحقيق» هو المرحلة الإجرائية الكاملة التي تباشرها النيابة العامة، وتشمل المعاينة والتفتيش وضبط الأشياء وسماع الشهود وندب الخبراء، إضافةً إلى الاستجواب. أما «الاستجواب» فهو إجراءٌ واحد من إجراءات التحقيق، يتعلق تحديداً بمناقشة المتهم تفصيلاً في التهمة المنسوبة إليه وأدلتها. ولأهمية هذا الإجراء ولصوقه بشخص المحقق، فقد نصّ القانون على أنه وإن جاز لعضو النيابة أن يكلّف أحد مأموري الضبط القضائي القيام ببعض أعمال التحقيق، فإن استجواب المتهم مستثنىً من ذلك صراحةً، فلا يجوز ندب مأمور الضبط القضائي للقيام به.
رابعاً: الفرق بين الاستدلال والتحقيق والإفادة والاستجواب
هذا الجدول يُلخّص الفروق العملية التي تترتب عليها آثار قانونية مهمة، أبرزها موضع حق المحامي في الحضور:
خامساً: حق محامي المتهم في حضور التحقيق — القاعدة
هنا يكمن جوهر المسألة. فقد قرّر قانون الإجراءات الجزائية، في المادة الثامنة والتسعين، قاعدةً واضحة مفادها أنه يجب أن يُمكَّن محامي المتهم من حضور التحقيق معه ومن الاطلاع على أوراق الدعوى. وهي صياغة آمرة تجعل تمكين المحامي أصلاً وقاعدة لا مجرد رخصة، وتشمل أمرين متلازمين: الحضور أثناء استجواب المتهم، والاطلاع على ملف القضية.
قاعدة الحضور والاطلاع
حق محامي المتهم في حضور التحقيق ليس حقاً مجرّداً، بل يقترن بحق الاطلاع على أوراق الدعوى حتى يتمكن من تقديم دفاع فعّال ومستنير. وهذا التلازم بين «الحضور» و«الاطلاع» هو ما يحوّل وجود المحامي من حضورٍ شكلي إلى ضمانةٍ حقيقية للدفاع.
ويتأكد هذا التوجّه التشريعي في نصوصٍ أخرى تحرص على استمرار صلة المتهم بمحاميه؛ فحتى عندما تأمر النيابة العامة بعدم اتصال المتهم المحبوس احتياطياً بغيره من المحبوسين، يبقى حقه في الاتصال دائماً بالمدافع عنه على انفراد قائماً لا يجوز المساس به.
سادساً: استثناء «مصلحة التحقيق» وحدود الحق
القاعدة الآمرة لا تعني أن الحق مطلق بلا قيد. فقد أورد المشرّع في النص ذاته استثناءً مؤداه أن لعضو النيابة العامة أن يرى خلاف ذلك إذا اقتضت مصلحة التحقيق، أي أن يقرّر — في حدود تقديره ولاعتبارات مصلحة التحقيق — تنظيم حضور المحامي أو تقييده في إجراء معيّن.
تنبيه: فرقٌ بين تقييد الحضور وبين قطع الصلة بالمحامي
ينبغي عدم الخلط بين سلطة النيابة في تقييد حضور المحامي إجراءً معيّناً لمصلحة التحقيق، وبين حق المتهم الأصيل في الاتصال بمدافعه على انفراد؛ فالأول استثناء إجرائي مقيّد بمصلحة التحقيق، أما الثاني فضمانة لا تسقط حتى في حالات منع الاتصال بالغير. كما لا يجوز لعضو النيابة أن يضبط لدى محامي المتهم الأوراق والمستندات التي سلّمها إليه المتهم لأداء مهمته، ولا المراسلات المتبادلة بينهما في الدعوى، حمايةً لسرية العلاقة بين المتهم ومحاميه.
سابعاً: حق المجني عليه في حضور محاميه
إذا كان النص قد قرّر صراحةً حق محامي المتهم في الحضور، فأين يقف المجني عليه؟ النص الآمر بتمكين المحامي ورد بشأن محامي المتهم تحديداً، أما المجني عليه فمرجع حقه في الاستعانة بمحامٍ وحضوره معه هو صفته كطرفٍ في الخصومة عبر الادعاء بالحقوق المدنية؛ فلمن لحقه ضرر شخصي مباشر من الجريمة أن يدّعي بالحقوق المدنية قِبل المتهم أثناء جمع الاستدلالات أو مباشرة التحقيق أو أمام المحكمة، إلى حين قفل باب المرافعة، وبذلك يكتسب صفة الخصم التي تتيح له المشاركة في الإجراءات والإنابة عن نفسه بمحامٍ.
خلاصة موقف المجني عليه
يتعزّز موقف المجني عليه في الاستعانة بمحامٍ وحضوره معه كلما انتقل من مجرد «شاكٍ» أو «شاهد» إلى «مدعٍ بالحقوق المدنية»؛ إذ يصبح عندها طرفاً في الدعوى. كما كفل القانون حماية إضافية له تتمثل في عدم جواز كشف بياناته إلا لذوي الشأن وفق ضوابط يحددها النائب العام، إلى جانب أحكام خاصة لحماية المجني عليهم من ذوي المرض النفسي أو العقلي.
فالفارق الجوهري: حق محامي المتهم في الحضور نصٌّ صريح آمر، بينما حق المجني عليه يتفرّع من صفته كطرف ومن حقه العام في الإنابة، لا من نصٍّ مماثل.
ثامناً: حالات يكون فيها حضور المحامي وجوبياً أو خاصاً
إلى جانب القاعدة العامة، أفرد المشرّع حالاتٍ يشتد فيها دور المحامي أو يصبح حضوره واجباً:
الندب الوجوبي في الجنايات الكبرى
يجب أن يكون لكل متهم في جناية معاقب عليها بالإعدام أو السجن المؤبد محامٍ للدفاع عنه في مرحلة المحاكمة، فإن لم يوكّل محامياً ندبت له المحكمة محامياً وتتحمل الدولة مقابل جهده.
طلب الندب في السجن المؤقت
للمتهم في جناية معاقب عليها بالسجن المؤقت أن يطلب من المحكمة ندب محامٍ للدفاع عنه إذا تحققت من عدم قدرته المالية على توكيل محامٍ.
وجوب الحضور في التسوية الجزائية
تُتّخذ إجراءات التسوية الجزائية بحضور محامي المتهم، ويجب حضوره في تسوية الجنايات، فإن لم يوكّل المتهم محامياً لعدم قدرته المالية ندبت له النيابة العامة محامياً.
عرض الاعتراف في تسوية الجنايات
عند عرض التسوية في الجنايات، تعرض النيابة على المتهم — بحضور محاميه — الاعتراف تفصيلاً بارتكاب الواقعة مقابل طلب تخفيف العقوبة، فحضور المحامي شرط جوهري.
الحضور عبر الاتصال عن بُعد
يجوز لمحامي المتهم مقابلة موكّله أو الحضور معه أثناء إجراءات التحقيق أو المحاكمة عبر تقنية الاتصال عن بُعد، بالتنسيق مع الجهة المختصة.
سرية مستندات المتهم لدى محاميه
لا يجوز ضبط الأوراق والمستندات التي سلّمها المتهم إلى محاميه لأداء مهمته، ولا المراسلات المتبادلة بينهما في الدعوى.
تاسعاً: إرشادات عملية للمتهم والمجني عليه
لتفعيل هذه الضمانات على أرض الواقع، يُنصح بالآتي:
اعرف مرحلتك أولاً
تأكد إن كنت أمام أحد مأموري الضبط القضائي (استدلال) أم أمام النيابة (تحقيق)، فحق حضور المحامي مقرّر صراحةً في مرحلة التحقيق.
تمسّك بحق الصمت
للمتهم حق الامتناع عن الحديث، ويجب أن يُحاط به فور القبض؛ فلا تُدلِ بأقوال جوهرية قبل استشارة محاميك.
اطلب تمكين محاميك
للمتهم أن يطلب حضور محاميه التحقيق واطّلاعه على أوراق الدعوى، ووثّق هذا الطلب في المحضر.
المجني عليه: ادّعِ بالحق المدني
تعزيزاً لموقفك، يمكن الادعاء بالحقوق المدنية أثناء الاستدلال أو التحقيق لتصبح طرفاً في الخصومة.
احفظ سرية مستنداتك
المستندات والمراسلات المتبادلة بينك وبين محاميك مشمولة بحماية تمنع ضبطها.
الاتصال على انفراد مكفول
حتى في الحبس الاحتياطي مع منع الاتصال بالغير، يبقى حق المتهم في الاتصال بمدافعه على انفراد قائماً.
الأسئلة الشائعة
المراجع القانونية
- المرسوم بقانون اتحادي رقم (38) لسنة 2022 بإصدار قانون الإجراءات الجزائية، النافذ اعتباراً من 1 مارس 2023.